شات احباب ميدو، دردشة احباب ميدو، منتديات احباب ميدو
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 النقد في العصر الجاهلي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات : 12
نقاط : 10003
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/04/2013

مُساهمةموضوع: النقد في العصر الجاهلي   الأربعاء أبريل 17, 2013 11:29 am

النقد في العصر الجاهلي :



من الحقائق المسلم بها أن أدب كل امة هو ابن بيئتها الطبيعية والاجتماعية وطبقا لذلك فالأدب
الجاهلي وليد الصحراء بيئة العرب الطبيعية والاجتماعية .
فهذه الصحراء بأرضها وسمائها بحيوانها ووحوشها بجدبها وشطفها بقيظها وبردها بخشونتها وقسوتها اجل هذه الصحراء بكل ذلك وبكل ما كان يجري في حياتها من غزو وحرب ونهب وسلب هي التي شكلت سلوك عرب الجاهلية .
فكل ما في حياة العربي في الجاهلية راجع الى الصحراء فمنها استمد نظام معيشته واسلوب حياته كما استمد عقليته وعواطفه واخلاقه التي كان يعتز ويفخر بها غاية الفخر.

كان يكد ويكدح طلبا للرزق ومن اجل البقاء كان عليه ان يقضى معظم حياته ظاعنا غير مقيم إن اقام في مكان حينا فسرعان ما يرحل عنه اما فرارا من عدو او التماسا للمرعى او الماء او نحو ذلك .
وكان في تنقلاته ورحلاته على ناقته في مسالك الصحراء الموحشة لا يجد غير الغناء شيئا يأنس به فهو يغني ليهون على نفسه مشاق الطريق ورعثاء السفر وهو يغني ليسري عن ناقته اللاغبة ويستحثها على المسير ولما كان الشعر والغناء من اصل واحد عند جميع الامم فقد كان يغني شعرا.
واغلب الظن ان الشعر العربي قد بدأ أول ما بدأ بالكلام المقفى غير الموزون اي بالسجع بلا وزن على نحو ما وصل الينا من سجع الكهان وربما الكاهن يغنيه توقيعيا على القافية نحو :" اذا طلع السطران استوى الزمان وحضر الاوطان وتهادت الجيران ".
ثم تطور السجع بلا وزن الى سجع موزون ممثلا في ابسط اوزان الشعر العربي واقدمها وهو " الرجز" يقول منه الراجز البيتين او الثلاثة اذا حارب او فاخر ثم صاروا تدريجيا يطيلون النظم فيه .
ومن الرجز انفتح الطريق امام اوزان اخرى من اوزان الشعر يضعونها حسب الاقتضاء كل وزن منها يوافق نوعا خاصا من الشعر كموافقة وزن الطويل وطواعيته للشعر الحماسي وكموافقة وزن الوافر للفخر والرمل للفرح والحزن والسريع لتمثيل العواطف وهكذا...
وكانوا في اول الامر ينظمون قطعا قصيرة على اوزان البحور التي اهتدوا اليها بعد الرجز ثم ظل الامر كذلك حتى تحركت نفوس العرب بالحروب وظهر فيهم الابطال والفرسان فاحتاجوا الى الشعر والاطالة فنظموا القصائد .
وزعم الرواة أن الشعر كله إنما كان رجا وقطعا وإنما قصد على عهد هاشم بن عبد مناف وكان اول من قصده مهلهل وامرؤ القيس وبينهما وبين مجيء الإسلام مائة وخمسون سنة ذكر ذلك الجمحي وغيره .
ومهلهل هذا واسمه عدي بن ربيعة التغلبي قد حركه الثأر لمقتل أخيه كليب فنظم الشعر ويقال : انه اول شاعر اطال القصائد وبلغ بها الى اكثر من ثلاثين بيتا كقصيدته التي يقول في مطلعها :
جارت بنو بكر ولم يعدلوا والمرء قد يعرف قصد الطريق
وبهذا فتح السبيل امام الشعراء لاطالة القصائد ثم اخذوا ينوعون بين الطول والقصر على حسب المقتضيات والأغراض.
سئل ابو عمرو بن العلاء : هل كانت العرب تطيل ؟ فقال نعم ليسمع منها قيل : فهل كانت توجز ؟ قال : نعم ليحفظ عنها ...
وقال الخليل بن أحمد :" يطول الكلام ويكثر ليفهم ، ويوجز ويختصر ليحفظ ، وتستحب الاطالة عند الاعذار والانذار والترهيب والترغيب والاصلاح بين القبائل كما فعل زهير والحارث بن حلزة ومن شاكلتهما وإلا فالقطع أطير في بعض المواقف والطوال للمواقف المشهورات ".
وفي معرض كلامه عن الشعر يقول ابن خلدون :" ولعمري انه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الاحوال ".
ولكن لا ينبغي ان يفهم من كلام ابن خلدون ان الشعر وحده هو كل ادب الجاهليين وانما هو بالقياس الى نثرهم اكثر ما وصل الينا من ادبهم وهذه الكثرة النسبية لا تنفي ضياع جزء من شعرهم مع ما ضاع من نثرهم .
قال ابو عمرو بن العلاء : " ما انتهى اليكم مما قالت العرب الا اقله ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير ".
وقيل :" ما تكلمت به العرب من جيد المنثور اكثر مما تكلمت به من جيد الموزون فلم يحفظ من المنثور عشره ولا ضاع من الموزون عشره ".
ونظرية القدماء التي تمثلها الكلمة الاخيرة هنا تشير الى انه كان للعرب في جاهليتهم نثر وانه كان اكثر من الشعر واغزر مادة فأي نثر هذا الذي كان اكثر من الشعر ؟
ايقصدون بالنثر هنا ما كان يستعمله الناس من كلام في حياتهم اليومية ومطالبهم العادية ؟ ان كان الامر كذلك فمما لا شك فيه ان هذا النوع من النثر كان اسبق الى الوجود من الشعر واغزر منه وان الرواة لم يحفظوا منه الا القليل بالقياس الى ما حفظوه من الشعر الذي يساعد الوزن والقافية على حفظه .
اما اذا كان المقصود النثر الفني الذي يجوده صاحبه ويبغي به التأثير في النفس على نحو ما فليس من شك في انه قد كان عند الجاهليين احدث من الشعر واقل مادة .
وسبب ذلك متطلبات النثر الفني من العقل والتفكير والروية والارادة اكثر من متطلبات الشعر كما انه يحتاج الى مجتمع تشيع فيه الكتابة حتى يتسنى تدوينه وحفظه من الضياع .
ومهما قيل عن بداية الشعر عند العرب وتطوره ومهما قيل عن بواعث نظمه التي تتمثل في الرغبة والرهبة والطب والغلب فان العرب من اقوى الامم شاعرية واقدرها على قول الشعر .
وقد ساعدهم على ذلك لغتهم الشعرية وما فيها من اساليب البيان المختلفة وكثرة المترادفات التي تسهل وجود القافية واطالة القصيد كما ساعدهم ايضا طبيعتهم الشعرية وما فطروا عليه من نفوس حساسة وخيال صاف ومشاعر رقيقة تقعدهم الكلمة وتقيمهم شأن اهل الفروسية والنجدة .
ولعلنا ندرك من ذلك مكانة الشاعر ومنزلته في نفوسهم كانت القبيلة تنتقي من شعرائها من تتوسم فيه الشاعرية الممتازة فتقدمه وتخلع عليه لقب "شاعر القبيلة " وهو لقب كان يدل إذ ذاك على الثقافة الواسعة الى جانب دلالته على الحس الصادق المرهف .
وكانت تهتم باعداد هذا الشاعر اهتمامها باعداد القائد والخطيب فيقال : قائد القبيلة فلان وشاعرها فلان وسبب ذلك انهم كانوا ينظرون الى الشعراء على انهم حماة الاعراض وحفظة الاثار ونقلة الاخبار.
كذلك كانوا يوسطونهم في الاسترضاء او الاستعطاف او يتخذون منهم وسيلة لاشعال الحماس واثارة الحرب وبهذا يكون الشاعر لسان حال القبيلة الناطق باسمها والمعبر عن كل اغراضها واهتماماتها في جميع الاحوال .
وما اشبه دوره في تلك العصور السحيقة القدم بدور الصحف اليومية الرسمية التي تنطق باسم الحكومات في العصر الحاضر. ولم يكن اهتمامهم بالشاعر وتقديمهم له من اجل ذلك فحسب ولكن لانهم كانوا ايضا يجلون الشعر نفسه لما كان له من الوقع الحسن في نفوسهم.
من هنا تأتي اهمية الشاعر وربما فضلت القبائل نبوغ الشاعر على نبوغ القائد والفارس والخطيب.
يقول ابن رشيق في باب احتماء القبائل بشعرائها : " كانت القبيلة من العرب اذا نبغ فيها شاعر اتت القبائل فهنأتها وصنعت الاطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الاعراس ويتباشر الرجال والولدان لانه حماية لأعراضهم وذود عن أحسابهم وتخليد لمآثرهم وإشادة بذكرهم وكانوا لا يهنئون الا بغلام يولد او شاعر ينبغ او فرس تنتج".
فالحفاوة بالشاعر الجاهلي الى هذا المدى لم تكن وليدة الحاجة اليه كمتكلم باسم القبيلة في كل ما يهمها فحسب وانما كانت وليدة ما فطر عليه العربي من طبيعة شعرية تتذوق الكلام الجميل وتطرب له وتنفعل به .
ولهذا كان طبيعيا ان يوجد النقاد بجانب الشعراء يسددون خطاهم ويدفعون نحو الاجادة والكمال بما يوجهون الى شعرهم من ملاحظات نقدية .
تلك نبذة وجيزة عن نشاة الادب الجاهلي بعامة والشعر منه بخاصة .
والواقع ان الشعر وهو اكثر واغزر مادة الادب الجاهلي قد انتهى الينا بعد ان بلغ غايته من التطور والكمال على نحو ما نراه في المعلقات وغيرها من شعر الجاهليين .
واذا كانت قد تسربت الى الشعر من ثقافات الامم القديمة المجاورة بعض الافكار وصور البيان كالتشبيه فان ذلك قليل لم يؤثر في نشاته العربية الخالصة ولم يخرج به عن طابعه وتقاليده وعن اغراضه وروحه العربية.
ونظرة في شعر من شهدوا اخريات العصر الجاهلي كامرئ القيس وعلقمة وعمر بن كلثوم والنابغة وعنترة او في شعر المخضرمين كأمية بن ابي الصلت والاعشى وزهير والخنساء وحسان ولبيد ترينا انه شعر بلغ غاية الاتقان...
وهذا الاتقان ان دل على شيء فانما دل على شيء فانما يدل على ان الشعر الجاهلي قد مر في تاريخ تطوره بضروب كثيرة من التهذيب فبين طفولته ممثلة في البيتين والثلاثة من الرجز الى القصيدة الطويلة المحكمة النسج مر عصر طويل قام فيه النقد الادبي باصلاح الشعر وتقويم معوجه وتهذيبه حتى وصل الى ما نرى فيه من الصحة والجودة والاحكام والاتقان ...
فتقاليد القصيدة العربية من التزام الوزن الواحد والقافية والواحدة وحركة الروي الواحد في جمع القصيدة ومن التصريع في اولها ومن مقدمات النسيب او المقدمات الطللية التي تستهل بها الى غير ذلك كل هذه التقاليد التي صارت الطابع المميز للقصيدة العربية لم يهتد اليها الشاعر العربي مرة واحدة وانما عرفها بعد تجارب شتى وبعد تقويم وتهذيب تكفل بها النقد الادبي.
واذا كان الناقد الاول قد ظهر الى الوجود بعد الشاعر الاول واذا كانت اوليات الشعر العربي غير معروفة لنا فان اوليات النقد الادبي تبعا لذلك قد غابت عنا .
ولما كانت معرفتنا بالشعر العربي المتقن المحكم ترجع الى اواخر العشر الجاهلي فان تاريخ النقد الادبي المعروف يبدأ في ذلك العهد ايضا.
واقدم النصوص التي تجلى فيها نقد الشعر الجاهلي تعزى الى شعراء هذا العصر الذين نهضوا بالشعر وارتقوا به كما سنرى...
والذي يتتبع حركة النقد الادبي في اخريات العصر الجاهلي يرى ان ميادين نشاطه كانت تتمثل في اسواق العرب وفي المجالس الادبية العامة وفي ارتحال الشعراء الى ملوك الحيرة والغساسنة.
ففي كل هذه الاماكن والبيئات المختلفة كان العرب يجتمعون ويتناشدون الاشعار ويتناقدون فكان ذلك عاملا اجتماعيا في ترقيق الفاظ الشعراء واحكام معانيه وتهذيب حواشيه ونهضة النقد المتصل به.
ونواة النقد العربي الاولى تتلمس في الملاحظات النقدية التي رويت وقيلت في بعض ما وصل الينا من الشعر الجاهلي.
ومن النظر في هذه الملاحظات يمكن القول بأن ملكة النقد الادبي عند الجاهليين كانت مبنية على الذوق الفطري لا الفكر التحليلي فهو نقد ذوقي غير مسبب نقد يقف عند الجزئيات فاذا ما انفعل بها الناقد اندفع الى التعميم في الحكم فجعل من شاعر اشعر الناس لبيت او ابيات من قصيدة واحدة قالها.
ومع هذا النقد المبني على الفطرة التي تتأثر بما تسمع من قول فتصدر الحكم عليه غير معلل او غير مشفوع بحيثياته فاننا نرى ان النقد عند نقاد العرب في الجاهلية قد اتخذ صورا مختلفة.
فمن صور النقد هذه ما تناول اللفظ او الصياغة الامر الذي يدل على عدم تمكن الشاعر من دلالات الالفاظ .
من ذلك ما يروى ان طرفة بن العبد سمع المسيب بن علس يقول:
وقد اتناسى الهم عند احتضاره بناج عليه الصعيرية مكدم
فقال له طرفة : استنوق الجمل اي انت كنت في صفة جمل فلما قلت " الصيعرية" عدت الى ما توصف به النوق لان الصعيرية سمة حمراء تعلق في عنق الناقة خاصة.
فهذا نقد توجه من طرفة الى المسيب في ناحية الالفاظ وهو نقد يدل على بصر طرفة بمعاني الالفاظ ومواضع استعمالها كما يدل على ذوقه النقدي وفطنته الى ان مثل هذا الخطأ اللفظي مما يعيب الشعر ويقلل من درجة جودته.
ومن صور النقد الجاهلي ما تناول المعنى كقول الاعشى من قصيدته التي مدح بها قيس بن معد يكرب الكندي أحد اشراف اليمن:
ونبئت قيسا ولم أبله كما زعموا خير اهل اليمن
فجئتك مرتاد ما خبروا ولولا الذي خبروا لم ترن
ففي البيت الاول خطأ معنوي لان عدم اختبار الممدوح يضعف الحكم ولأن الزعم في عرف العرب مطية الكذب.
كذلك التفت النقد في الجاهلية إلى الصورة الشعرية من حيث قدرة الشاعر أو عدم قدرته على أدائها من ذلك خبر احتكام علقمة بن عبدة وامرئ القيس الى امرأته ام جندب في ايهما اشعر.
قال ابن قتيبة في ترجمة علقمة :"وسمي بالفحل لانه احتكم مع امرئ القيس الى امرأته ام جندب لتحكم بينهما فقالت :" قولا شعرا تصفان فيه الخيل على روي واحد وقافية واحدة فقال امرؤ القيس:
خليلي : مرا بي على ام جندب لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
وقال علقمة :
ذهبت من الهجران في كل مذهب ولم يك حقا كل هذا التجنب
ثم أنشداها جميعا فقالت لامرئ القيس : علقمة أشعر منك.
قال : وكيف ذاك ؟ قالت : لأنك قلت :
فالسوط ألهوب وللساق درة وللزجر منه وقع أهوج منعب
فجهدت فرسك بسوطك ومريته بساقك وقال علقمة :
فأدركهن ثانيا من عنانه يمر كمر الرائح المتحلب
فأدرك طريدته وهو ثان من عنان فرسه لم يضربه بسوط ولا مراه بساق ولا زجره قال : ما هو بأشعر مني ، ولكنك له وامقة فطلقها فخلف عليها علقمة فسمي بذلك الفحل".
فأم جندب قد قارنت بين صورتين شعريتين : صورة فرس امرئ القيس الذي راح يزجره ويضربه ويستحثه على العدو كي يدرك طريدته وصورة فرس علقمة الذي ادرك طريدته وعلقمة ثان من عنانه لم يضربه بسوط ولا مراه بساق ولا زجره ولا شك ان صورة علقمة اوضح واكمل واجمل.
واشتراط ام جندب للحكم ان يكون الموضوع واحد والروي واحدا والقافية واحدة ثم اصدار حكمها بعد الموتزنة معللا قد يلقي ظلا من الشك على صحة هذه القصة لقربها من صنيع المتأخرين في النقد والموازنة. وبعدها عن النقد الجاهلي المبني على الذوق الفطري الخالي من التعليل.
ولكننا مع ذلك لا نستبعد صدور مثل هذا النقد عن عربية جاهلية لأن الحياة الأدبية في عصر امرئ القيس لم تكن من البساطة الى حد عدم القدرة على ادارك مثل هذه الملاحظات النقدية .
لقد طلب الشاعر من ام جندب ان تحكم بينهما فلم يكن من الطبيعي بعد ان تستمع اليهما ان تقول لاحدهما انت اشعر من صاحبك قم ثقف عند هذا الحد وانما كان من الطبيعي ان تصدر حكما معللا حتى تنفي عن نفسها شبهة التحيز التي تطعن في عدالة الحكم ومع هذا فقد اتهمها زوجها بالتحيز لعلقمة ولعل الحكم المعلل هنا مما يرجح صحة هذه القصة عندنا.
كذلك تطرق النقد في العصر الجاهلي الى الغلو في المبالغة وعدها من عيوب الشعر وقديما عابت العرب على مهلهل بن ربيعة الغلو في القول بادعاء ما هو ممتنع عقلا وعادة واعتبروه اول من سن هذه السنة في الشعر كقوله:
كأنا غدوة وبني أبينا... بجنب عنيزة رحيا مدير
فلولا الريح أسمع من بحجر صليل البيض تقرع بالذكور
فقد كان بين حجر وهي قصبة اليمامة وبين عنيزة محل الوقعة والتي فيها قيلت القصيدة مسيرة ايام وهذه المبالغات الغالية المغرقة التي من شانها افساد المعنى وقد عد بسبب اكثاره من الغلو في شعره اول من كذب بشعره.
ويروى ان امرأ القيس كان أول من تأثر به في المبالغات الشعرية كقوله :
تنورتها من أذرعات واهلها بيثرب أدتى دارها نظر عال
وقد فاضلوا بين البيتين فقالوا : ان مهلهلا اشد غلوا من امرئ القيس لأن حاسة البصر أقوى من حاسة السمع وأشد أدراكا.
ومن هذا القبيل ما يروى أن رجلا قال لزهير : اني سمعتك تقول لهرم:
ولأنت اشجع من اسامة اذ دعيت نزال ولج في الذعر
وانت لا تكذب في شعرك فكيف جعلته أشجع من الاسد ؟ فقال : اني رأيته فتح مدينة وحده وما رأيت أسدا فتحها قط !! وقد علق ابن رشيق على هذا الخبر بقوله : فقد خرج زهير لنفسه طريقا الى الصدق وعدا عن المبالغة ".
ففي الخبرين السابقين ما يؤكد نظرة الجاهليين الى المبالغة فهي عندهم ليست مما يفسد المعنى فحسب وانما هي ايضا منافية للصدق وكأن في ذلك التفاتا مبكرا من جانبهم الى عنصر الصدق في الشعر واتخاذه أصلا من أصول النقد.
ومن الشعراء المخضرمين من ادرك هذا المعنى وافصح عنه في شعره كحساب بن ثابت الذي يقول :
وانما الشعر لب المرء يعرضه على المجالس ان كيسا وان حمقا
وان اشعر بيت انت قائله بيت يقال اذا انشدته : صدقا
ومن صور النقد الجاهلي الحكم على الشاعر جملة بوصف الطابع العام له .
من ذلك ما روي ان بعض شعارء تميم اجتمعوا في مجلس شراب وكان بينهم الزبر قان بن بدر والمخبل السعدي وعبدة بن الطيب وعمرو بن الاهتم وتذاكروا في الشعر والشعراء وادعى كل منهم اسبقيته في الشعر فقال المحكم ربيعة بن حذار الاسدي اما عمر فشعره برود يمانية تطوى وتنشر واما الزبرقان فكأنه اتى جزورا قد نحرت فأخذ من اطايبها وخلطه بغيره واما المخبل فشعره شهب من الله يلقيها على من يشاء من عباده واما عبدة فشعره كمزادة احكم خرزها فليس يقطر منها شيء.
فهذا لون من النقد يقوم على تذوق الروح العامة للشعر وفيه يعطي الناقد انطباعه عن الشاعر جملة.
كذلك من صور نقدهم الحكم على بعض القصائد بأنها بالغة منزلة عليا في الجودة بالقياس الى غيرها فقد كانوا يتخيرون قصائد بأعيانها ويخلعون عليها القابا تجمل رأي الناقد او الحكم فيها.
روى ابو عمر الشيباني ان عمرو بن الحارث الغساني أنشده علقمة بن عبدة قصيدته :
طحابك قلب في الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشب
وانشده النابغة :
كليني لهم يا اميمة ناصب وليل اقاسيه بطيء الكواكب
وانشده حسان قصيدته :
أسالت رسم الدار ام لم تسأل بين الجوابي فالبضيع فحومل
ففضل حسانا عليهما ودعا قصيدته " البتارة " لانها بترت غيرها من القصائد .
ومن هذا النوع قصيدة سويد بن ابي كاهل التي مطلعها :
بسطت رابعة الحبل لنا فوصلنا الحبل منها ما اتسع
فقد قال الأصمعي :" ان العرب كانت تفضلها وتعدها في حكمها وانها كانت تسمى في الجاهلية " اليتيمية"".
ومن ذلك أيضا اختيار القصائد المشهورة التي سموها " المعلقات " ان صحت هذه الرواية.
وكان لقريش دور ملحوظ في رقي هذا النقد فهي في سبيل بسط لغتها على القبائل الاهرى وقفت موقف المتخير الناقد تختار من كل قبيلة احسن ما عندها من الفاظ واساليب وتبعا لذلك كان الشعراء ينظمون بلغتها.
ذكر حماد الرواية ان العرب كانت تعرض اشعارها على قريش فما قبلوه كان مقبولا وما ردوه كان مردودا وذكر ان علقمة بن عبدة لما أنشدهم قصيدته :
هل ما علمت وما استودعت مكتوم
ام حبلها اذ نأتك اليوم مصروم؟
قالوا : هذه سمط الدهر فلما عاد وانشدهم قصيدته :

طحابك قلب في الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشيب
قالوا هاتان سمط الدهر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://a7babmidou.7abibomri.com
 
النقد في العصر الجاهلي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شات احباب ميدو - منتدى احباب ميدو :: المنتديات :: منتدى الادب و الشعر-
انتقل الى: