شات احباب ميدو، دردشة احباب ميدو، منتديات احباب ميدو
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 بين النظرة الذاتية والتأطير المنهجي في النقد الجاهلي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات : 12
نقاط : 10003
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/04/2013

مُساهمةموضوع: بين النظرة الذاتية والتأطير المنهجي في النقد الجاهلي   الأربعاء أبريل 17, 2013 10:35 am

[right]
بين النظرة الذاتية والتأطير المنهجي في النقد الجاهلي


من القناعات التي سيطرت في مجال الدراسات النقدية حتى غدت من الثوابت التي لا تقبل الجدال أن أي رؤية نقدية جادّة لا تقدم عادة إلا بعد مجاهدة حية لمجموعة من العوائق والصعاب التي تجعل الكلمة الناقدة في الأغلب تساق بشكل نسبي، وذلك أن النقد وإن كانت تحكمه مجموعة من المقاييس والركائز الفنية إلا أنه يظل إلى حد بعيد نتاج نفس بشرية تتذوق وتستشعر، ومن ثم تبني بمساعدة مجموعة الركائز والمقاييس هذه الرؤية النقدية.
ولعل ذلك يتكشف بوضوحٍ حين يتوجه النظر النقدي إلى تأمُّل سبيل الممارسين للنقد من القدماء، بل يبدو هذا الأمر عصيبا، متأبياً على الوصول فيه إلى كلمة فاصلة حين النظر في التجربة النقدية، التي مورست في العصر الجاهلي، حيث يبدو التناقض واضحاً، والبْونُ شاسعاً بين تجربتين فنيتين لابد- جدلاً- أن تتبع إحداهما الأخرى، فتكون في مستواها الفني أو قريبة من هذا المستوى على أقل تقدير، وهما:
- التجربة الشعرية.
- التجربة النقدية.
ومن المعلوم أن التجربة الشعرية الجاهلية قد وصلت إلينا ناضجةً مكتملةً، تشير إلى قدرة إبداعية عالية، كان وراءها حسُّ مرهف، ووجدان متحرك نابض، وقريحة متوقدة…، … مما أحال هذا الشعر سجلاً وافياً لمفردات حياة العربي في ذلك الزمن، ومعيناً حيَّاً ثراًّ ينهل منه الناس فيما تلا ذلك من أيام الزمان، وإلى يومنا هذا- لتهذيب النفوس وصهر المكالمات، وتثقيف الأذواق، ورفد الأبناء في ميادين التقيف والتربية، والإحساس بمفردات خلاصة تجارب معاناة السابقين لوقائع الأيام، وأحداث الزمان… و..
وقد كان ذلك كله في مقابل أن التجربة الثانية (التجربة النقدية) لم يكشف ما وصل إلينا منها- في عمومه أو في ظاهره - إلا على مجرد التمتْرس وراء النظر النقدي الذاتي الآني الجزئي الخاص، أو الرؤية الفطرية التي لم تشحذها التجارب، والتي لا تعلن عن دربة أو خبرة، متولدة من كثرة المران والمطّالعة والممارسة أو هكذا بدا الأمر للناظرين في مفرداتها، فهي غير مؤدلجة وفق مقاييس أخذت حظها من التقنين، أو لم يدفع بها ذوق مصقول، يهيئ لطرح نقدي لا يثور حول جدليته خلاف بما فيه من دقة، وإعمال قريحة.
لقد كان المنتظر أن تأتي التجربة النقدية الجاهلية مساوقة، أو موازية في المستوى الفني للتجربة الشعرية التي تمخَّضت عنها أحداث هذا العصر الجسام، وخاصة أن الشاعر الجاهلي كان يقوم بدور الرائد وصانع السياق الثقافي، فإبداعه يقوم بدور التثقيف، وصقل الملكات، وتأصيل التقاليد الفنية الأدبية، التي يجب أن تكون معروفة مرعية، فهو يرسخ هذه التقاليد التي تجعل الملتقى إذ ذاك ممتلئاً بما يستطيع به التعبير عن رؤيته في التجربة الشعرية التي يطلُع بها عليه الشاعُر الجاهلي صباح مساء، ولدى كل ثنية طريق وعند منعطفه، بل بما يمكنه من أن يكون مشاركاً، فاعلاً في إثراء هذه التجربة، وإغنائها، بل توجيهها إلى جادة الطريق إن هي حادت، وذلك عن وعي وفهم متولدين من كثرة التثقيف، تلك التي كان الشاعر يقوم بها كل يوم، فهل حدث ذلك أو بعضه؟
لعل شيئاً من ذلك قد كان موجوداً، بل لعله كله كان حادثاً، ثم لم تصل إلينا أخباره، أو المرويات التي تؤكده، وتدعم تصوره.
ولا يغيب عن أذهان الناظرين حقيقة أن النقد وعلى أي مستوى يقوم أولاً على الذوق كمنطلق ومرتكز، أو أساس، ومن المعلوم المقرر أن الأحكام النقدية، وعلى رأسها تلك التي تمخضت عنها عملية التفاعل الثقافي الحضاري بين الأمم، وأفرزها الاطلاع على كثير من الاتجاهات والمذاهب المختلفة إن هي إلا أحكام رفدنا بها في الأساس الذوق المثقف الخبير، فالتذوق أو الذائقة هما الأساس والمنطلق الأول للممارسة النقدية.
ومن المقرر الثابت لكل ذي بصير أن الذوق ملكة فطرية ذاتية معقدة: إذ هي مزيج من الحس والشعور والعقل، مرتبط بالذكاء وتوقد الذهن، متأثر بعوامل أخرى متعددة، وسياقات كثيرة مختلفة، منها الملامح النفسية للذات الناقدة والزمن الذي تعيش فيه، وكذا التنشئة، و… وأشياء أخرى كثيرة وعديدة.
وليس من شك في أن هذه العوامل مختلفة باختلاف الناس، بل الأفراد، ومن هنا تبزغ حقيقة استحالة الوصول إلى حكم نقدي تتفق كل الطروحات الناقدة حول حرفيته اتفاقاً تاماً، حال النظر إلى عمل أدبي بعينه، فضلاً على النظر إلى نتاج عصر أدبي بأكمله.
هذا والصعوبات التي تواجهه مهمة الناقد - بعد - كثيرة لسنا بصدد استقصائها الآن، ويكفينا النص على حقيقة أن الذوق المدرب الخبير، الذي تدعمه الثقافة العميقة، المتأنيّة، المستوعبة لشتى أنواع المعارف والفنون، بشكل عام والمعارف النقدية بشكل خاص تتولد لديه القدرة على إصدار الحكم النقدي الفني، الذي يفسر العمل الأدبي تفسيراً ناضجاً، متكاملاً، أو يكاد .
وتبقى برغم كل ذلك حقيقة أن من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة، ولا تؤديها الصفة حقيقة قائمة، لا تتخلف، أو تتوارى كثيراً.
ولهذا كله وغيره نجد نقادنا القدامى وقد أجهد الكثير منهم نفسه في النص على ما يجب على المتصدي لممارسة النقد أن يتسلح به، فأهل العلم بالشعر في نظرهم - وبشكل عام- أو أحق الناس بتقديره، أو تقيمه هم أولئك الذين يتمتعون بثقافات متنوعة، ومنهم وحدهم تصدر الأحكام، التي تحظى بالقبول، لاعتدادها بالنص على العناصر الفنية في العمل الفني إيجاباً أو سلباً- أساساً للإحساس الكامل بما فيه من مواطن القبح ومكامن الجمال، منطلقة من ذلك إلى التعليل والتحليل، الذي يحيل النقد بناءً، وسبيلاً هاماً من أبنية وسبل المعرفة والثقافة.
وليس ذلك إلا لأن نقد مثل هؤلاء يتنكّب الاتكاء فقط على مجرد الذوق، وخاصة أنه قد يتخذ مطية للانطلاق إلى أحكام ليست إلاَّ من عمل الهوى لا أكثر، وإنما يساق إلى إعمال الذوق المدرب الخبير، أو المتكئ على ركيزة قوية من العلم والمعرفة والثقافة.
ومن المعروف أن الثقافة بالمعنى الذائع لها اليوم لم تكن من الصور الحاضرة في ذهن العربي الجاهلي الذي مارس النقد. كما أنه من البدهي أيضاً أننا نظلمه كثيراً حين ننص على حرمانه من كل آلية تسعفه في تفسير العمل الأدبي، لمجرد أنه لم تصل إلينا صورة من صور النقد الذي نريد اليوم تُعزَى إليه، وذلك أن السياق الثقافي للمجتمع كله في العصر الجاهلي كان يستدعي وجود هذه الآلية، بل وجود حركة نقدية ناهضة أو قريبة من ذلك، لتكون مساوقة للتجربة الشعرية، قادرة على متابعتها، نقول ذلك في ظلال معرفتنا أن الشاعر الجاهلي لم يكن منعزلاً عن السياق، بل كان أول الممارسين للعملية النقدية، وانصبَّ نقده - كما تنطق المرويات والأخبار في الصدد -على الصياغة والمعنى. فتمدح في شعره - مثلاً - بقوة النظم وشدة الأسر، ومتانة اللفظ. وجودة السبك، ودقة المعنى، وإصابة المحز، وتطلَّبَ ذلك في شعر غيره. والصياغة والمعنى هما أهم ما يتصدى له النقد الأدبي عامة.
وعلى ذلك مثلاً كان حديث تميم بن أبّي بن مقبل العجلاني عن شعره، فهو شعر ذو أثر على متلقيه، إيجابيّ يزيح عن النفس آلامها وهمومها، بل هو للنفس أطب وأنجع، وهو أعني الشاعر قادر على صياغة الأبيات الفرائد، السائرة، المهذبة، التي تعانق النفس حال سماعها، وتتأبى على كل الشعراء صياغة أمثالها، فهي السهل الممتنع، ولذلك ترى الشعور بجماله لدى المتلقين يدفعهم إلى العناية به والإحساس بجماله وغرابته، فهم لذلك يمسحون البيت الواحد منه إعجاباً بتفرده وجماله كما تمسح الأيدي الأغرَّ المشهَّر.
إذا متُّ عن ذكْر القوافي فلن ترى
وأكثر بيتا ما رداً، ضُرِبَتّ له
أغرَّ غريباً ، يمسح الناسُ وجهّه
---------------
لها تالياً مثلي أطبّ، وأشعرا
حزونُ جبال الشعر، حتى تَيَسَّرَا
كما تمسح الأيدي الأغرَّ المشهَّرا(1)
ولسنا نسعى إلى الإعلان عن لون من الممارسة النقدية المنهجية المنظمة أو المؤطرة بأطر فنية تعلن عن فكر نقدي موصل أو مؤثل، بل غاية ما نستشفه من مجموع بعض المرويات النقدية أنها ممارسة نقدية تتفق مرحلياً وروح عصرها، وإن كان المجال قد أفسح فيها للنظرات النقية المنهجية، مما يشكك في مصداقية أن يكون العمل النقدي في الجاهلية قد كان قائماً فقط على النظرة الآنية الوقتية الذاتية الفطرية.
وبدهي أنه لم يكن من المنتظر أن يمارس النقد في ذلك العصر في صورة أبعد من تلك النقدات التي لا تنطلق – في عمومها - من فكر نقدي مؤسس . فالسياق الثقافي للعصر كله لم يكن قد وصل في جانب من جوانيه إلى هذا المستوى، وهذا على أقل تقدير هو ما تحرص المرويات على بث معرفته فنياً، ولذلك وقفت نقدات الممارسين للنقد فيه عند النظرة الذاتية الممزوجة بالنظرات الموضوعية التي أخذت من السياق العام شرعية وجودها على هذا النحو، فكانت مجردة تعتمد بشكل أساسي، أو تقوم على ما تجود به القرائح والأذواق بشكل وقتي، مع الالتفات كثيراً لأهمية ما عرف بعد بالتحليل والتعليل، والنظر الموضوعي.
ونظلم العصر الجاهلي حين نفتش بين جنباته عما هو أبعد من ذلك في ميدان الممارسة النقدية، فحياة القوم فيه لم تكن في جانب من جوانبها تعتمد إلا على الوضوح والبساطة، ومن ثم البعد عن التعمق، أو على الأقل الإيغال فيه.
يطرح ذلك - على الأقل - في سياق الحديث عن النسق العام للحياة، وتبقى الأبواب مفتوحة لحدوث طفرة فردية في مستوى الطرح الإبداعي على المستوى الشعري والنقدي، وإن كان الأمر لم يصل - فيما نعتقد، وعلى حسب ما تفيده تجارب الممارسة النقدية التي وصلت إلينا- بحال إلى النحو الذي كان معروفاً لدى قدامى النقاد اليونانيين من إعمال الفكر المنظم أو ما شاكل ذلك.
ومن المعلوم أن حياة العرب لم تكن مستقرة، ومن هنا لم تتح لهم الفرصة التي تسلمهم إلى التأمل العميق، والتفكير الدائم، الذي يفرز القدرة على التحليل الموضوعي المدعوم بالأدلة، والمقدم في ظلال الأسانيد والبراهين، أو الذي يقدم من خلاله الشرح المستفيض، الذي يهدف إلى طرح رؤية شمولية عامة للقصيدة موضوع النظر، أو العمل الأدبي موضوع الممارسة النقدية.
فإلى حد بعيد كانت النظرة لديهم جزئية، إذ تقتصر على البيت أو البيتين من الشعر، فلا تبعد، وتكتفي في ذلك بمجرد الإعلان عن الاستحسان أو الاستهجان، لا تعدو ذلك إلا لتقدم التعليل أو التحليل السريعين.
وصحيح أن بعض هذه الصور قد كانت تنتهي بذكر بعض العلل لذلك الاستحسان أو هذا الاستهجان، بل صحيح أن "الصياغة والمعاني هي ما ينقذ في الشعر في العصر الجاهلي، وهي أهم ما يتصدى له النقد الأدبي في العصور الأخرى، بل إن الشعراء أنفسهم حين كانوا يمتدحون بأشعارهم لا يجدون ما يصفونها به إلا جودة السبك وقوة المعنى"(2) لكن هذه العلل التي كانت تقدم كأسانيد تدعم نقدات بعضهم لم تكن وليدة الفكر النقدي المؤسس، ولكنها كانت ابنة النظرة الفطرية، ووليدة الإحساس الذاتي المؤدلج بمدى التأثر، والعيش في سياق شعري عام لا أكثر.
والمعلوم أن هذه النظرة تكون إلى حد ما رهينة الأهواء، والميول الذاتية التي قد تعمل إذ تعمل بشكل تحكمي في بعض المواقف، وإن كان عملها لديهم قد كان مؤسساً على الإحساس الفني، وهو كان على المستوى المرحلي على الأقل كفيل بطرح رؤية نقدية .
ومع كل ذلك فإن كل النقدات التي أفلتت من بين أيدي النسيان فوصلت إلينا لا يمكن أن تجحد، أو تنكر قيمتها، خاصة إذا وضعت في سياقها الزماني والمكاني، حيث بساطة الحياة، وبعدها عن التعقيد، وعزوفها عم ميادين التعمق في استخراج الفكرة، أو الشطط في استغراق المعنى، وهو ما أجمله الدكتور مندور في قوله:
"إن النقد العربي - في أول نشأته- كان نقد خواطر، يقوم على الذوق، أو الهوى دون احتياط، أو استقصاء، أو تفصيل في التعليل. ومع ذلك نستطيع من الناحية الفنية أن نطمئن إلى ما أجمله عبدالعزيز الجرجاني عن مقاييسهم الأولى، عندما قال (في الوساطة): "وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء وتحكم بالجودة والحسن بشرف المعنى، وصحته، وجزالة اللفظ، واستقامته، وتسلّم السبق لمن وصف فأصاب، وشيه فقارب، ويَدَه فأغذر، ولمن كثرت أمثاله ، وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض.
ومن هذا النص نستطيع أن نحكم - على الأقل بأن مقاييس القدماء لم تكن شكلية ولا كانت أوجه البديع قد أفسدتها.."(3)
ومن هنا أيضاً نستطيع النص على أن المفردات أو المصطلحات التي ليس لها مكان إلا في عالم النقد وأبوابه، والتي وجدت بكثرة وإلحاح بين أوساط الشعراء في ذلك العصر لا يمكن أن تفرغ من مضمونها، بل لا يمكن إلا أن تكون دالة على حركة نقدية تجاوزت بكثير مرحلة الإحساس الذاتي إلى حيث أصبحت تشكل نسقاً نقدياً فنياً، يناسب المرحلة على أقل تقدير.
فالتمحيص والتجويد، والتحليك، والعناية، والتحبير، والشاعر، والخنزير، والمغلّب، والمرقّش، والمهلهل، والنابعة… والقافية الشرود، والغربية… إلى غير ذلك من الأوصاف والمصطلحات التي لا يمكن أن تكون وليدة فعل نقدي ليس على نحو من الأنحاء حسب، ولكن على نحو فني أعملت فيه القرائح، وذهبت الذائقة في استخراجه كل مذهب. أمر ينبغي وضعه في الحسبان.
بل ينبغي أن نستحضر في أنفسنا دوماً أن هذه الأوصاف أو المصطلحات تشير إلى أن الشاعر الجاهلي كان دوماً يعيش حالة الحاجة النفسية إلى هتاف الجمهور له، والانتشار لأشعاره على ألسنة الناس وفي ذاكرة الرواة.
والعربي الجاهلي أعلن عن مستوى من التمكن والقدرة على الوصول إلى فرق ما بين القول الهابط غير الهادف أو الصائب، وغيره وضده. ولعل مما يرسم ذلك بصدق ووضوح قول معقر بن حمار البارقي متحدثاً عن المستوى الشعري، هبوطاً في الدرجة وصعوداً فيها بنَسَقٍ يعرب عن الحميمة بينه وبين عالم الشعر هذا:
الشعرُ لبٌّ المرء يعرضه،
منها المقصّر عن رميَّته
----------------
والقول مثُل مواقع النبل
ونوافذٌ يذهبن بالخصل(4)
فالشعر لديه مختلف الدرجة باختلاف القدرات والأمزجة بين البشر، ومختلف المستوى باختلاف الشعراء.
ومن المهم ها هنا أن نلتفت إلى أن المفردات النقدية التي ملأت الساحة الجاهلية قديماً، والتي ذكرنا بعضها آنفاً على أنها لم تكن من عبث القول، ولكنها مفرز نقدي، يشير الكثير منه إلى إطالة النظر، وإدامة التأمل، وإعمال عين التنقيب، والفحص للشعر من قبل مبدعه، قبل أن يخرج به على الناس، أو يذيعه في المحافل والأسواق التي كانت - لذلك العهد- بمثابة المنتديات الأدبية ، التي يعلو فيها نجم الشاعر أو يهبط، فتتبعه قبيلته في الصعود وفي الهبوط.
ونحظى بما يؤكد على ذلك مبثوثاً في كتب التراث، والتي يأتي على رأسها كتب التراجم والأمالي والمجالس، ولدى ابن سلام، وابن قتيبية وأبي الفرح، والجاحظ، وغيرهم.
ولعلنا لا نجاوز حدود النظرة الصائبة حين نفهم من قول المسب بن علس، وهو جاهلي، لم يدرك الإسلام (خال الأعشى):
فلأهدين من الرياح قصيدة
ترد المياة فلا تزال غريبة
---------------
مني مغلغلة إلى القعقاع
في القوم بين تمثل، وسماع(5)
أقول لعلنا لا نكون متجاوزين للحقيقة حين نستمع إلى هذا القول فنجزم بأن الشاعر الجاهلي ما كان يقدم على إذاعة شعره إلا بعد أن يراه صالحاً للنظرات، التي هي بمثابة السهام توجهه إليه، وأنه كان يدرك أن شعره سيتعرض لحالة من التفرُّس فيه بعد أو حال سماعه، فمفردتنا: التمثّل والسماع تعنيان- فيما نرى- : التعليم والمتعة، بعد التأمل والفحص.
ولم تقف الذائقة العربية الجاهلية عند هذا التأمل أو الفحص غير الموظف، بل أُعملت ذلك في سبيل النص على الجيد الرفيع من الكلام، في مقابل الساقط الهابط منه.
ومن هنا مثلاً كان "يقال لطفيل الغنوي في الجاهلية: محبِّر، لتحسينه الشعر، وهو مأخوذ من التحبير.."(6). بل بحث يعضهم عما عرف بعد من مضمون مصطلح الوحدة العضوية، الذي يبحث في مدى جودة البناء الشعري، فوجدنا عمرو بن لجأ التيمي يقول رامياً شعر خصمه بافتقاده هذه الوحدة، وسوء صورته لضياع الترابط بين أبيات قصيده:
وشعر كبعر الكبش، ألَّف بينه لسانُ دعيٍّ في القريض دخيل(7)
فالمعلوم لكل ذي عينين يومذاك، وإلى الآن أن الملْحظ الأظهر في بعر الكبش والحيوان عامة أنه يقع إذ يقع، فلا يقع إلا متفرقاً، لا انتظام له. ولا ائتلاف بين مفرداته، بل نجزم بأن الشاعر ما سعى من وراء طرح هذه الصورة إلا للتأكيد على تلك الصورة، ويروقنا هنا أن نلتفت إلى ما يستشف من مضمون هذا البيت حول مساحة النظرة النقدية لقائله، إذ تخطت حدود النظرة الجزئية التي تقف عند البيت أو البيتين إلى حيث صارت حكماً عاماً يشمل شعر الشاعر كله.
وفي كتب التراث تحظى بما يفيد تفعيل الأسواق التي كانت تقام بشكل ثابت في مجال النقد والأدب، وتروي هذه الكتب – مثلاً - أن النابغة الذيباني كانت تضرب قبة من أدَم بسوق عكاظ، فيسرع إليه الشعراء من كل وجه فيعرضون عليه قصيدهم(Cool في محفل لابد كان حاشداً، إذ المكان سوق، ويعلن هو بدوره على الملأ حكمه، أو نظرته النقدية فيما سمع، استحسانا، أو استهجاناً ذاتيين انطباعيين في بعض الأحيان، وموضوعيين معللين في الأحيان الأخرى.
وكما تنطق بعض نقداته كان يلجأ إلى الاعتداد - في نقده - بالجانب الدلالي للألفاظ، ويحتفل بمواقعها، وقدرتها على التأثير في سياقها الخاص، وكل ذلك هو ما عرف أغلبه بعد تحت اسم فقه اللغة. كما أنه كان يهتم - في نقده - بأصول المعاني، ويضع اعتباراً كبيراً للعرف القائم والظرف السائد، بل كان في بعض الأحيان - يقدم ما يفرضه الإطار البيئي، وهو ما عرف بعد تحت اسم السياق الثقافي، وتنادى الناظرون بوجوب مراعاته.
ومما يروى في هذا الصدد مثلاً أن الأعشى جاءه، فأنشده قصيدته التي يقول مطلعها:
ما بكاء الكبير بالأطلال وسؤالي، وما ترد سؤالي؟
فأعجب بشعره أيمَّا إعجاب (استحسان غير معلل، وربما كان معللاً، واجتزئت الرواية) وجاءه حسان بن ثابت رضي الله عنه بقصيدة، كان منها قوله مفتخراً، مباهياً بما لقومه من عزّ ومجد وكرم:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى،
ولدنا بني العنقاء، وابني محرِق،
-----------------
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فأكرم بنا خالاً، وأكرم بنا ابنما
فقال له النابغة: إنك لشاعر، لولا أنك أقّلَلْت أسيافك وجفانك، وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك. ولو قلت الجفان لكان أكثر،.. وقلت:
لنا الحفنات الغر يلمعن بالضحى، ولو قلت: .. يبرقن بالدجى لكان أبلغ، لأن الضيْف بالليل أكثر طروقاً، وقلت: وأسيافنا يقطرن من نجده دما، ولو قلت:.. يجرين لكان أكثر لانصباب الدم.
وهنا قام حسان منكسراً، مغضباً، منقطعاً(9).
وباد للعيان هاهنا أن الناقد قدْ وجَّه اهتمامه إلى الأبعاد التي أشرنا إليها سلفاً حين أنكر على الشاعر أن يأتي في ميدان المباهاة وسياق المفاخرة بالمفردات اللغوية التي لا تتناسب مع جو المباهاة، الذي يفتح الباب فيه للمبالغة المطلوبة المستملحة، والتي عرفت فيما بعد عصر التأليف بجموع القلة (من جمع التكسير) وجمع الإناث، وأرشد إلى ما يقتضيه السياق من استعمال الصيغ التي تفيد الكثرة.
وإذن فليس ثمة نظرة جزئية خالصة، فللسياق لديه أهميته التي ينبغي أن تراعي، أو التي تفرض على الشاعر أن يحتفل بمستلزمات النجاح في المحافظة عليه، ولهذا السبب عينه كان تفضيله صياغة فعليه (يبرقن، يجّرين) على أخرى (يلمعن، يقطرن).
لقد جاءت الخنساء - كما تنص الرواية - بعقب حسان، فأنشدت النابغة في رثاء أخيها صخر قصيدتها التي مطلعها:
قذىً بعينيك أم بالعين عُوَّار؟ أم أقفرت مذخلت من أهلها الدار(10)
حتى قالت:
وإن صخراً لها دينا، وسيدنا
وإن صخراً لتأتم الهداة به
-------------------
وإن صخْراً – إذا نشتوا – لنحَّار
كأنه علم في رأسه نار
فكان أن قال النابغة لها: والله لولا أن الأعشى أنشدني آنفاً لقلت: إنك أشعر من بالسوق.
و- نعم - تلك نظرة استحسان عام، فهي غير محللة ولا معللة، ولكنها تنبني على موازنة نقدية سريعة تمت في الخاطر بين مستويين شعريين يمثلهما: شعر الأعشى في مقابل شعر الخنساء، فهي نظرة تساق في إطار يبتعد بها عن النظرة الجزئية أولاً، ثم النظرة الذاتية الخالصة ثانياً.
ومما حمله كتاب الأغاني ويدخل في إطار الاحتكام إلى الذوق العام ما أورده بشأن المسيب بن علس وقد مرَّ بمجلس بني قيس بن ثعلبة. فأثاروه لقول الشاعر، فأنشدهم قصيدته التي يقول مطلعها:
ألا أنعم صباحاً أيها الربع واسلم نحييك عن شحط وإن لم تكلم
إلى أن بلغ قوله:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكدم
وفي القوم يلعب طرفة بن العبد وهو صبي، فقال حين سمع هذا: "استنوق الجمل"، وضحك القوم فصارت مثلاً.
وفي الشعر والشعراء أن القصة حدثت مع المتملس الضبعي، وأنه حين سمع تعليق الصبي طرفة أتاه، "فقال له: أخرج لسانك ، فأخرجه، فقال: ويل لهذا من هذا يريد: ويْلٌ لرأسه من لسانه"(11)
فالحسّ اللغوي الذي تَشكَّل لدى عامة الجمهور الجاهلي أفرز هذا الاستعداد النقدي المتحفز، والذي لا ينطلق بوحي أسس مقننة، وإنما ينطلق بوحي أسس مألوفة شكلت حسّا لغويا فنياً عميقاً، مكنت من التعامل مع دلالات الألفاظ في السياقات المختلفة والمواقف المتعددة.
ومثل هذه المواقف تدفعنا إلى الإفصاح عن السؤال الذي يتردَّد صوته في الحنايا حول حقيقة وصول التجربة الشعرية الجاهلية إلينا ناضجة، مكتملة، تامة القيم على مستوى الشعور والتعبير، والأوزان والقوافي، في حين أن التجربة النقدية وهي ممارسة تتبع الشعر، وتسير مقتفيه أثره، متتبعة خطاه هبوطاً أو صعوداً، أو هكذا يفترض، ومع ذلك وصلت إلينا من هذه التجربة صورة الممارسة النقدية فإذا هي كالنّبت الذي يشق أيام طوره الأولى في وهن وضعف.
ألا يعني ذلك أو يشير إلى ضياع كثير من أخبار ومرويات مواقف هذه الممارسة وتجاربها؟
ثم ألا تكون عملية تأخر تدوين الشعر الجاهلي وراء مثل هذا الضياع المتخيل خاصة وأن التجارب النقدية المرصودة في الجاهلية لا يمكن - من حيث الكم على الأقل- أن توضع بإزاء هذا النتاج الشعري الكبير، والذي لم يصل إلينا منه بعد إلا مجرد العشر؟
إن إدراكنا حقيقة أن العربي كان بطبعه مهيأ للممارسة الإبداعية في مجال الشعر، من حيث إنه كان دقيق الحس، مرهف الوجدان، يهتاج لأدنى الأسباب، والشعر إحساس وعاطفة وشعور. أقول إن إدراكنا لهذه الحقيقة يدفعنا إلى اليقين بضياع كثير من التجارب النقدية التي لابد وأن العرب قد أكثروا منها، كما أكثروا من التجارب الشعرية؟ فالنقد أخو الشعر في ميدان المرتكز على الأقل، ومصاحب له أو تابع في كل الأحوال.
فإذا كان الشعر يصدر أولاً عن ملكة تثور، وتهتاج لمثير مّا فإن النقد ترفدنا به - في المقام الأول- ملكة مركوزة تثور أيضاً، وهكذا تثور ملكة الشعر فتتمخَّض ثورتها هذه عن قصيدة مجلّ، وتثُور ملكة النقد فتفرز لنا رؤية نقدية هادفة.
والأمر بعد شائك وخطير، بل هو طريق كثير المهاوى ملئ بالمنحنيات الخطرة، فالبحث في أمر النقد الذي وصلت إلينا صورته شاحبة على هذا النحو، في حين أنه وليد التجربة الشعرية التي جعلت العصر الجاهلي كله عصر العربية الزاهرة يجعل أعتى الأقلام تزل بها الأقدم.
ولعل أكبر دليل على ذلك هو تلك الصورة المكررة في كل رؤية، أو دراسة أو طرح حال النقد في العصر الجاهلي.
بل لعل كل ذلك هو ما دفع ناقداً مجلياً مثل المرحوم الأستاذ طه إبراهيم لا يلحظ في النقد الجاهلي إلا مجرد قيامه ".. على الإحساس بأثر الشعر في النفس، وعلى مقدار وقع الكلام عند الناقد، فالحكم مرتبط بهذا الإحساس قوة وضعفاً، والعربي يحسّ أثر الشعر إحساساً فطرياً، لا تعقيد فيه، ويتذوقه جبلة وطبعاً، وعماده في الحكم على ذوقه، وعلى سليقته، فهما اللذان يهديانه إلى الجيد من فنون القول، وإلى المبرز من الشعراء. فليست لديه أصول مقررة للكلام الجيد كما عند المحدثين، وليست لديه مقاييس يأتنس بها في المفاضلة بين الشعراء، ليس لديه غير طبعه وذوقه"(12)
وما من شك في أن مثل هذا التصور وارد، ولكنه في ظل بعض المواقف النقدية المرصودة، والتي تجاوزت الرؤية الناقدة فيها مرحلة الاتكاء فقط على مجرد الإحساس بأثر الشعر في النفس، ومقدار وقع الكلام عند الناقد ، والتي أشرنا الآن إلى بعضها يحتاج إلى إعادة نظر، فالعربي كان يركن - بجانب طبعه وذوقه الخاصين - إلى الحس اللغوي العام، وإلى دلالات الألفاظ وما يوحي به استعمالها المختلف من صور متعددة، بل كان يحث على انتقاء اللفظة التي تناسب المقام، ويستدعيها السياق كما رأينا - مثلاً في موقف طرفة.
كما كان العربي يتخطى حدود النظرة الذاتية الوقتية الانطباعية إلى النظرة الموضوعية التعليلية، والتحليلية إلى حد ما، كما رأينا في موقف النابغة الذيباني.
ولعل فيما ضاع من المرويات النقدية، والذي أشرنا إليه قبلاً ما يكون مترجماً لصور نقدية تخطت هذه الأبعاد، وتجاوزت هذه الحدود، بل ليس ثمة ما يمنع من ذلك، وفي ضياع تسعة أعشار الشعر الجاهلي ما قد يؤكد على ذلك.
وفي الظن أن مثل المرحوم طه إبراهيم لو كان قد وجه اهتمامه إلى البحث في سبب قلة ما وصل إلينا من مرويات نقدية، قياساً على ما وصل إلينا من شعر ربما اهتدى إلى ما جعلنا اليوم نقف على جلية الأمر، إذ ليس يعقل أن تنكص ملكة النقد في مثل عصر العربية الزاهر إلى حد أن تكون وقفاً على هذه النظرات المعدودة حسب.
ونقول إن النبع منه كان – فيما نرى - على ضربة معول، لأن طرحه أثار مجموعة من الاستفهامات التي تحث على استكناه الأحكام النقدية، التي صدرت بحق شعر البارزين من شعراء هذه المرحلة، من مثل علقمة والأعشى، والخنساء، وغيرهم، من حيث لم يرد هو إلا التشكيك فيما عزي إلى هذا العصر كله من نقد بشكل عام، وما روي بشأن جلوس النابغة الذيباني حكماً بين الشعراء بسوق عكاظ بشكل خاص.
ولم يلفته شئ من الصور النقدية التي تعد من الصور الناضجة في الرأي إلى حدّ يشارف الإلمام العام بمستلزمات الممارسة النقدية، وخاصة تلك التي وجدنا صورة منها لدى النابغة في نقده شعر الشعراء الذين وردت أسماؤهم آنفاً.
بل قصارى ما أجهد نفسه لإثباته أن الرواية ملفقة، وعلى فرض صحتها - في رأيه - فلابد أن تكون قد حدثت خالية من أي حكم نقدي على أي وجه.
وفي الظن أيضاً أنه لو كان استحضر حقيقة ما يفرضه وصول التجربة الشعرية الجاهلية إلينا ناضجة مكتملة من تصور أن يكون النقد - وهو تابع لها - قد وصل إلى صورة من الممارسة الفاعلة على الأقل، أقول: لو كان الأمر كذلك ما انتآى به الظن إلى حيث الشك في مثل هذا الخبر النقدي خاصة أنه قد حملت هذه الرواية كتب لا يقدح مؤلفوها بحال.
وتقول مع المرحوم طه إبراهيم: نعم "لم يكن الجاهلي يعرف جمع التصحيح، وجمع التكسير وجموع الكثرة والقلّة، ولم يكن يفرق بين هذه الأشياء كما فرق بينها ذهنُ الخليل، وسيبويه.."(13)
لكن ذلك لا يعني البتة انتقاء قدرته على إدراك الفروق الجوهرية التي تفرق ما بين صيغة وأخرى بل لا يعني انتفاء قدرته على انتقاء ما يناسب السياق العام، وانتخابه من بين كم المفردات اللغوية الهائل.
فإن كانت معرفته بهذه المصطلحات على المستوى العلمي الذي وصل إليه أمثال الخليل وسيبويه رحمها الله غير واردة، وهي كذلك حقاً فإن معرفته بهذه المصطلحات على مستوى التذوق والممارسة اليومية لا يمكن لأحد أن يجحدها أو ينكرها.
والجاهلي ما صدر في نقداته تلك عن إعلان معرفته هذه المصطلحات النحوية، ولا ادعَّي بعض ذلك، ولكن هي السليقة والطبيعة والملكة، وشئ من إعمال الذهن في السياق العام إضافة إلى الحس المتوقد، والذهن الحاضر والاستعداد، أو التهيء للنظر في الشعر بغرض الحكم عليه. كل ذلك أسلم في النهاية إلى صدور مثل هذا النقد، على هذا المستوى بشكل طبيعي لا تعمل فيه.
وليس من المنطق أو العدل – بعدُ - أن نستكثر صدور مثل هذه الممارسة في عصر شكل سياقه الثقافي مجموعة الشعراء الذين حققوا - في اقتدار- لشعرهم صورة من الاكتمال في الخلق، والتعبير، والصحة في الأداء، والسلامة من القصور في أي جانب، على مستوى القيم الشعورية والقيم التعبيرية، بل أعلنوا في تجاربهم عن معاناة حقة، أعمل فيها الذوق والموهبة، والاقتدار الخلاق على الإبداع النابض المؤثر، حتى وصلت إلينا على الصورة التي نراها، والنابغة الذيباني لم يكن واحداً من هؤلاء الشعراء حسب، ولكنه كان من أعلى المبرزين منهم في هذا الميدان، أعني ميدان القدرة على تشكيل السياق الثقافي العام.
ومثل هذا كله يجرنا إلى النظر- مثلاً - في نقد أم جندب، زوج امرئ القيس، الذي تمخض عنه موقف تنازع زوجها وعلقمة الفحل ومن ثم احتكامهما إليها في الشعر، وحكمها الذي أتى لصالح خصم زوجها بعين الثقة والاطمئنان، بل الرصد للنقلة النوعية التي يعلن عنها نقدها، رافضين بذلك كل شكّ يحاول أن يجد لنفسه مكاناً مّا حول هذه القصة، وما شاكلها مما يشير إلى شئ من القدرة على تفعيل الممارسة النقدية في هذا العصر، بحجة أن مستوى نقداتهم لا يتصور صدوره إلا عمن عرفوا المصطلحات العلمية، التي عرفها المجتمع العربي الإسلامي بعد عصر التأليف في العلوم فقط.
نقول ذلك كله في ضوء ما سبق، ثم في ضوء استحضارنا حقيقة أن أم جندب لم تكن امرأة من عرض الطريق، ولكنها كانت زوج أبرز الشعراء الذين شكلوا السياق لا الثقافي للمجتمع حسب ولكن السياق الفني أيضا، فهي - لذلك – أقدر - أولاً - على أن تمارس النقد، ثم هي – ثانياً - أبصر بالمزالق التي قد يتعرض لها الزوج في ميدان الإبداع والخلق، أو تكاد.
وبالتالي لا يستبعد أن تكون على درجة من الوعي، أو القدرة على إعمال الذوق الذي يركن إلى شئ من التعليل أو التحليل، الذي يتناسب والمرحلة التي كانت تعيشها على الأقل.
وتقول القصة كما ذكرها ابن قتيبة - رحمه الله- في ترجمة علقمة بن عبدة: ".. وهو الذي يقال له: علقمة الفحل، وسمي فحلاً لأنه احتكم مع امرئ القيس إلى امرأته أم جندب، لتحكم بينهما .
فقالت: قُولا شعراً تصفان فيه الخيل على روىٍّ واحدٍ، وقافية واحدة، فقال امرؤ القيس:
خليليَّ مُرَّأ بي على أم جُنْدب، لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
وقال علقمة:
ذهبت من الهجران في كل مذهب، ولم يَكُ حقاً كل هذا التجنب
ثم أنشداها جميعاً، فقالت لامرئ القيس: علقمةُ أشعر منك، قال: وكيف ذاك؟ قالت: لأنك قلت:
فللسَّوْط أُلْهوبُ، وللسّاق درَّةٌ وللزجْر منه وقعُ أخْرَج مُهْذب
فجهدت فرسك بسوطك، ومرْيَّته بساقك، وقال علقمة:
فأدركهن ثانياً من عنانه يمرُّ كمرّ الرائح المتحلب
فأدرك طريدته، وهو ثانٍ من عنان فرسه، لم يضربه بسوط، ولا مَرَاه بساق، ولا زجرَهُ.
قال: ما هو بأشعر مني. ولكنك له وامِق، فطلقها، فخلف عليها علقمة، فسمي بذلك: "الفحلُ"…"أهـ(14)
وذلك نقد موضوعي تعليلي يشير إلى نقلة نوعية في مجال الممارسة النقدية الفاعلة، حملت المرحوم طه إبراهيم على الشك في القصة برمتها، إذ قال معقباً على هذه القصة أن رأى فيها التفاتة واضحة إلى بعض الأسس النقدية التي ينبغي أن تراعى أو التي هي من الوضوح بمكان .
"فإن صحت هذه القصة كانت لها دلالات كبيرة في النقد الأدبي، فأم جندب تريد مقياساً دقيقاً، تستند عليه في الموازنة، هو وحدة الروي، ووحدة القافية، ووحدة الغرض.
وهذا يكفي لأن يكون أساساً من أسس النقد في العصر الجاهلي، وهذا يكفي دليلاً على أن النقد في بعض الأحيان لم يكن سليقة وفطرة، بل كانت له أصول يعتمد عليها.
ولكن في القصة طعنا إن لم يحمل على رفضها جملة فهو يحمل على رفض كثير منها.
في قصيدتي علقمة وامرئ القيس توافق في غير بيت، وفيهما مشاركة في كثير من الألفاظ والعبارات والمعاني.
ولو جعلنا قصيدة امرئ القيس أصلاً، إذ إنه الذي أنشد أولاً كانت قصيدة علقمة تكراراً لها في أبيات بتمامها، وفي شطرات. والحكم بتفضيله على امرئ القيس يكون إذن غير معقول لأن علقمة كرر ما قاله صاحبه، فإن يكن هناك بيت لامرئ القيس يشم منه أنه حمل فرسه على الجري حملاً فقد استدرك ذلك في البيت الذي يليه.
أضف إلى الريبة التي يحمل عليها التوافق في النص، والتي يحمل عليها الانحراف في الحكم أن امرأ القيس عرف بوصفه الخيل والصيد، وشهر بذلك دون الجاهلين وهو في المعلقة، وفي قصيدته اللاميَّة الأخرى لا يجاري في هذا الصدد.
ولعلَّ ذلك ما حمل عبد الله بن المعتز على أن ينكر القصيدة فيما أنكره من شعر امرئ القيس، وذلك محتمل جداً، فهي وإن جرت على مذهبه الشعري خالية من طابعه الذي نحسه في شعره الصحيح.
ثم إن الموازنة على شريطة الجمع بين ثلاثة أشياء فكرة على شيء من الدقة لا تتلاءم مع الروح الجاهلي في النقد الأدبي.
هذا إلى أننا نرتاب في أن جاهلياً يدرك الفرق بين الروي والقافية، ونرتاب في أن هذه الألفاظ تستعمل في العصر الجاهلي بمعناها الاصطلاحي.
وإن كان لابد من الاطمئنان إلى شيء من هذه القصة فإننا نأخذها كما رواها أبو عبيدة من أن شاعرين تحاكما إلى زوج امرئ القيس دون أن يذكر للحكم أسساً، وهي بهذا تلائم العصر الجاهلي، وترينا أن النقد لا يزال فطريَّا لأن معنى علقمة أجود من غير شك من معنى امرئ القيس، على نحو ما فهمته الطائية" أهـ (15).
قلت: سبق أن عرضنا القصة نقلاً عن الشعر والشعراء لابن قتيبة، وهو من هو، وذكرها في كتابه تعليلاً لتلقيب علقمة بالفحل، أو رويت هي هكذا له.
واللقب الذي كان وراء ذكر هذه القصة يريح على صاحبه شيئاً غير قليل من إعلان الاقتدار الإبداعي، الذي يمكن له بأن يكون خصمه في ميدان الخصومة- مغلَّباً، ففيه من القوة والعرامة ما يمكِّن - في ميدان المنافسة الشعرية- من مواجهة امرئ القيْس، ثم التغلب عليه.
ولم يستطع قلم المرحوم طه إبراهيم - برغم احتشاده الواضح لإنكار هذه القصة بكل ما أوتي من قدرة في النظر والفحص - أن يجد واحداً من الأعلام الثقات من القدامى قد أنكر هذه القصة، وقصارى ما وصل إليه أنه وجد عبدالله بن المعتز - وهو متأخر نسبياً - قد أنكر قصيدة امرئ القيس ضمن ما أنكر من قصائده، وإن كان لم ينكر القصة موضوع الطرح.
بقي أن نلتفت إلى أن شك المرحوم طه إبراهيم لا ينبني على متابعة لواحد من القدماء الموثوق بهم، أو حتى المشكوك فيهم، ولكنه ينبني فيما بعد ذلك على انطباعات تفجرت في نفسه تجاه القصة ، فجعلته يقول (نرتاب … ونرتاب) فرأيه ذاتي إذاً ، وقد أعلن ذلك صراحة من طريقين:-
- طريق نظري: شكله قوله :".. فهي (يعني قصيدة امرئ القيس) وإن جرت على مذهبه الشعري خاليه من طابعه الذي نحسُّه (تأمل) في شعره الصحيح".
وتحكيم الإحساس الذاتي الخاص لا ينشئ نظراً نقدياً موضوعياً سديداً كما علمنا، وتعلمنا، إضافة إلى أنه لا يصح لأحد أن يرتاب في أن العرب كانوا يعرفون فرق ما بين الرويّ والقافية .
- طريق تطبيقي: وقد أداره حول مجموعة من النقاط التي وجد أنها تحمل الطعن الصريح الذي يدفع إلى إنكار القصة كلها، أو بعضها على أقل تقدير ، وهذه النقاط هي:
1- التوافق الذي لوحظ بين قصيدتي الشاعرين (امرؤ القيس، وعلقمة الفحل) في غير بيت، وتكرار أبيات، وأشطر بعينها في القصيدتين، والمشاركة في كثير من الألفاظ والعبارات والمعاني.
ولست أدري كيف لم يتهيأ لمثل الأستاذ طه إبراهيم – رحمه الله - إدراك أن ذلك التوافق الذي يلحظ بين القصيدتين في بعض الأبيات إلى حد تكرار لأبيات وأشطر قد يكون من عمل الرواة الذين حُمل الشعر الجاهلي وغيره عبرهم إلى الأجيال المتلاحقة.
وأما المشاركة بين قصيدتي الشاعرين في كثير من الألفاظ والعبارات والمعاني فالمعروف أولاً أن اللغة إرث جماعي مشترك، ليس ملكاً خاصاً لأحد أو بأحد، يضاف إلى ذلك أن هذه المشاركة ليست خاصة بالشاعرين، بل هي أمرٌ شائع في الشعر الجاهلي، فإن كان ذلك يحمل على الشك في قصيدتي الشاعرين، أو في القصة موضوع الطرح فإن الشك إذاً يندرج على كل الموروث الجاهلي، بل والموروث الإسلامي في ميدان الشعر، وهو ما ترفضه الذائقة الأدبية، ويأباه المنطق، وينكره الواقع، ولو حمل المرحوم هذه المشاركة في بعض العبارات والمعاني على أنها شيء من عمل الموقف (موقف الاحتكام الذي لا يتم في الظن والفهم إلا بأسلوب المناقضة) ونتيجة له لكان – فيما نرى – أقرب إلى الصواب، وألصق.
2 – إحساسه بانحراف أم جندب في الحكم أن لم يأت حكمها لصالح امرئ القيس؛ وذلك بما أنه قد عرف بالتبريز في "وصف الخيل والصيد، وشُهر بذلك دون الجاهليين وهو في المعلقة، وفي قصيدته اللامية الأخرى لا يجاري في هذا الصدد"، هذا الإحساس جعله سبباً من الأسباب الرئيسة لإنكار القصة، ومن ثم الدعوة إلى نفض اليد منها. ومن ثم عدم الاكتراث أو الالتفات إلى ما تحمل من رؤية نقدية تترجم هذه النقلة النوعية في النقد الجاهلي.
قلت : ومتى كان الاشتهار بالتفوق في غرض أو موضوع من موضوعات الشعر أساساً نقدياً يسلم إلى الحكم بزيف قصة أخذت عمن لا يتهم بحال، بل أساساً للحكم بالتميز والغلبة لشاعر على آخر، وإن كان هذا الشاعر هو امرأ القيس؟ ثم أليس من المنطقي ها هناك الاحتكام إلى مقولة:
لكل سيف نبوه ، ولكل جواد كبوة .. !؟
هذا إذا تناسينا مكانة خصم امرئ القيس في ميدان الإبداع الشعري. فهو علقمة الفحل، الشاعر الجاهلي الذي اشتهر "بخصب الخيال، وعذوبة الموسيقى، ورصانة التعبير والأسلوب، ودقة التصوير والوصف، فهو يسهب في وصفه الإبل والخيل، وذكر طير النعام.. الخ"(16).
3 – يعتدُّ الأستاذ المرحوم طه إبراهيم بورود لفظتي: (روى، قافية) في القصة، ثم اشتراط أم جندب أن تكون المباراة بين الشاعرين داخل إطار موضوع شعري واحد، هو وصف الخيل دليلاً على أن القصة مختلفة، أو على الأقل لا تحظى بقبول، فضلاً على أن ينتفع بما خلفت من نقد،س أو أن يشار إليه.
والأمر في ذلك أهون من أن يؤدي إلى ارتياب من أي نوع، خاصة وأن اشتراط موضوع شعري واحد ليكون ميداناً للمباريات لا يحتاج إلى أسس مقننة فكرية أو غير فكرية، بل هو من البدهيات التي لا يعلن اشتراطها عن قدرة عقلية أو فكرية.
وأما لفظتا: الروي والقافية فهما من الألفاظ المألوفة للشعراء في العصر الجاهلي، لا أقول في بُعدها الاصطلاحي الكامل، ولكن في سياقها الذي أسس البعد الاصطلاحي بعد ذلك بوحيه وعلى هديه على أهون تقدير .
والخطأ كل الخطأ في تصور الانفصال التام بين دلالة اللفظة على المستوى اللغوي ومضمونها الاصطلاحي، ومن هنا تبزع حقيقة وجود جذر للمعنى الاصطلاحي لأغلب المفردات، إذ وضع العلماء اصطلاحاتهم بالتأكيد في غير ما غيبة تامة للمعنى اللغوي، بل لا يتصور ذلك.
وكلمة قافية – مثلاً – لم تكن غائبة عن الذائقة اللغوية قبل عصر التأليف، بل استعملها الشعراء في المعنى الذي صار بعد اصطلاحياً إن لم يكن بشكل حرفي كامل فهو يكاد، فهي في اللغة قديماً تعني: الإتيان أو المجيء ختاماً في إثر سابق، "وقفيت على أثره بفلان، أي اتبعته إياه"(17)، وفي القرآن الكريم: "ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ.." (الحديد 27).
وليس من المتصوَّر البتة بناء على ذلك أن كل الاستعمالات التي اصطلح عليها علماء الأمة في عصر التأليف في كل المجالات المعرفية والثقافية كانت مغايرة لسياقها اللغوي السابق. والمعلوم المؤكد – وأشرنا إليه سابقاً – أن اللغة إرث جماعي، تحمل المفردات فيه السياق أو الارتباطات من شخص إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، بل من عصر إلى عصر فتشكل تأثيراً واحداً، أو يكاد في التخيل والإحساس مع الاحتفاظ بأثر المستجدات العصرية أو الزمنية في تشكيل التوجه، وتوجيه التخيل.
بل لِمَ نُبعد كثيراً والمعلوم المشتهر أن الشاعر العربي الجاهلي - انطلاقاً من سياق ثقافي فنّي عام - كان يطلق مصطلح القافية وهو يريد القصيد على ما سنجد في بعض الأشعار قريباً.
ومن هنا فإن عين المراد من كلمة قافية اصطلاحياً هو مراد أم جندب أو على الأقل بعضه بل أكثره، أقول ذلك مع النص على أن أم جندب قد نطقت ذلك، وهي لا تهدف إلى اصطلاح مَّا، ولكن المفهوم سكنها فعبرَّت عنه، وجاء المعنى الاصطلاحي بعد موافقاً ليس لاستعمالها هي حسب، لكن لاستعمال جمهور الشعراء في عصرها، وما تلاه.
وأما كلمة "رويِّ" فنوجز القول فيها بذكر قول النابغة الذبياني:
فحسبك أن تهاض بمحكاتٍ يمرُّ بها الرويُّ على لساني(18)
والشواهد على ذلك كثيرة، بل ناصة في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام على ما عرف بعد كمضمون اصطلاحي لكلمة قافية، ومن ذلك قول امرئ القيس بن بكر بن امرئ القيس الكندي (جاهلي)، مفتخراً باقتداره الشعري:
أذود القوافي عني ذيادا ذياد غلام جرئ جرادا
فلما كثرن وأعيينني تنقيتُ منهن عشراً جيادا
فأعزل مرجانها جانباً وآخذ من درها المستجادا

-----------------
وكذلك قول تميم بن أُبيّ بن مقبل العجلاني (جاهلي إسلامي) هادفاً إلى الغاية ذاتها:
إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى لها تالياً مثلي أطبَّ وأشعرا
وأكثر بيتا مارداً ضربت له حزون جبال الشعر، حتى تيسرا
أغرَّ غريباً يمسح الناس وجهه كما تمسح الأيدي الأعرَّ المشهرا(19)

---------------
وقول كعب بن زهير (إسلامي) مجيباً الحطيئة إلى طلبه ذكره في الشعر:
فمن للقوافي شأنها من يحوكها إذا ما مضى كعب وفوّز جرولُ
كفيتك لا تلقى من الناس واحداً تنخل منها مثل ما يتنخل
يثقفها حتى تلين كعوبها فيقصر عنها من يسيء ويعملُ(20)
---------------------
ويطول بنا الحديث ويمتد إن أردنا في حديثنا الاستقصاء، والبعض في هذا الصدد مُغنٍ عن الكل؛ إذ هو من بابه وسنخه.
وكل الشعراء في هذا الصدد أرادوا المعنى الذي فهم بعد من المضمون الاصطلاحي لكلمة قافية، إذ أطلق كل الشعراء الجزء، وأرادا الكل، وتلك سبيل بلاغية عرفتها اللغة قديماً في مستويات تعبيرية متنوعة، وقدمها القرآن الكريم، كما قدم صورتها الثانية، وذلك في مثل قوله تعالى: "يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ.." (البقرة 19).
وبناءً على كل ما سبق طرحه نقول: ليس ثمة من مبرر يبرر ارتياب الأستاذ طه إبراهيم – رحمه الله – وشكه في مثل هذه القصة، وإذن فهي صحيحة.
ويترتب على ذلك أن هذه القصة – كما قال هو: "لها دلالة كبيرة في النقد الأدبي، فأم جندب تريد مقياساً دقيقاً؛ تستند عليه في الموازنة هو: وحدة الروي، ووحدة القافية، ووحدة الغرض، وهذا يكفي لأن يكون أساساً من أسس النقد في العصر الجاهلي. وهذا يكفي دليلاً على أن النقد – في بعض الأحيان – لم يكن سليقة وفطرة، بل كانت له أصول يعتمد عليها.." ا هـ.
وتظل حقيقة أن الشك حين يطلق له الشاك العنان ينطلق مارداً، لا يحكمه منطق ولا تحجزه حقيقة، ولا تمنعه وضوح رؤية، فهو يطمس كل معالم الحقيقة التي تتكشف في الطريق أمام ناظري الشاك، أو – على الأقل – تجعله لا يتقبل من الرؤى إلا ما كان موافقاً لطريقه في الشك، وسبيله في الارتياب.
أقول: تظل هذه الحقيقة حاضرة في حوارنا هذا مع طرح المرحوم الأستاذ طه إبراهيم، وذلك أن كل طرحه بخصوص الممارسة النقدية في العصر الجاهلي يقوم على الرفض – المسبق فيما يبدو – لكل ما يعزى إلى هذا العصر مفيداً تجاوز الممارسة النقدية لمجرد الاكتفاء بالارتكاز على الفطرة والسليقة، أو الوقوف فقط عند النظرة الجزئية الذاتية، أو الانطباعية السريعة التي لا تغذَّي إلا - فقط – بماء الإحساس بأثر الشعر في النفس، ووقعه على الروح.
ومن هذا الباب نراه قد أسلم نفسه إلى الشك مرة أخرى ، فأسلمه الشك إلى تخبط في الرأي بصدد اختيار الجاهليين للمعلقات ثم كتابتها، وتعليقها في الكعبة، لا لشيء إلا لمجرد أن التسليم بحدوث ذلك يتبعه التسليم بالقدرة الفنية ، التي تمكن من النقد المبني على أسس فنية للعرب الجاهليين، وهو ما يحرص على إعلان ضده وإثبات أن العرب الجاهليين لم يكونوا يمتلكون هذه القدرة ولا بعضها، يقول:
"بقيت مسألة أخرى، وهي مسألة المعلقات، وكتابتها، وتعليقها، ولو أن العرب فعلوا ذلك لكان هذا نوعاً من النقد، إذ إنها اختيار لقصائد بعينها، وحكم ضمني بجودتها، وتفضيلها على سواها.
ولو صحت تلك القصة لوجب أن تعد من مظاهر النقد في العصر الجاهلي ، ولكان لنا أن نقول : إن الجاهليين اختاروها لعناصرها الفنية، أو صلتها بالحياة الاجتماعية عند العرب، أو حسن تصويرها لتلك الحياة" ا هـ.
قلت : هذا الذي قدمه على أساس أنه افتراض هو حقيقة لا تدع المجال للارتياب فيها، والنظرة العجلى في نسيج هذه المعلقات مقارنة بغيرها من قصائد الشعر الجاهلي تدعم حقيقة تميزها الذي حقق لها انتشاراً واسعاً، ووجوداً حياً خارج الإطار الزمني والمكاني للعصر الجاهلي، حيث ".. تداولتها الأجيال، ورأت فيها ثروة حية للتراث الفني والجمالي في العصر الجاهلي، من حيث معمار القصيدة ، وما زخرت به من لمحات اجتماعية ، وما أشارت إليه من قيم كان يعتد بها العربي القديم، وما أرسته من تقاليد فنية.."(21).
ثم إن خبر تعليق المعلقات لم ينكره من العرب، قدمائهم ومحدثيهم إلا اثنان من أدباء الأمة ولغوييها، وهما أبو جعفر أح
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://a7babmidou.7abibomri.com
 
بين النظرة الذاتية والتأطير المنهجي في النقد الجاهلي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شات احباب ميدو - منتدى احباب ميدو :: المنتديات :: منتدى الادب و الشعر-
انتقل الى: